Verified Original
يقال: (لا رجل في الدار) ويقال: (ما من رجل في الدار) فما الفرق بينهما؟ إن كلا التعبيرين نص في نفي الجنس فهل من فرق بينهما؟ الظاهر إن بينهما فرقا في المعنى والاستعمال، فإن (لا) جواب لسؤال حاصل أو مقدر هو (هل من) كما ذكرنا، أما (ما) فهي رد على قول أو ما نزل هذه المنزلة، وإيضاح ذلك أنك تقول: (ما من رجل في الدار) لمن قال (أن في الدار لرجلا) رادا كلامه. وتقول (لا رجل في الدار) لمن سأل عن وجود أحد من الرجالة فيه. فالجواب بـ (لا) يكون إعلاما للمخاطب بما لم يكن يعلم، أو ما نزل هذه المنزلة، أما (ما) فهي رد على قول وتصحيح ظن. قال تعالى: ﴿لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد﴾ [المائدة: ٧٣]. فقد رد على قولهم (إن الله ثالث ثلاثة) بـ (ما) وقال: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم، فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكاذبين إن هذا لهو القصص الحق، وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٢]. وقال: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾ [البقرة: ٨]. وقال: ﴿ويستذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة﴾ [الأحزاب: ١٣]، وقال: ﴿ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله﴾ [آل عمران: ٧٨]. وقال: ﴿ويحلفون بالله إنهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون﴾ [التوبة: ٥٦]. فأنت ترى في ذلك كله إنه رد على أقوالهم بـ (ما). وقال: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقال: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]. وقال: ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله﴾ [محمد: ١٩]. وقال: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون﴾ [التوبة: ١٢]، وأنت ترى الفرق بين التعبيرين واضحًا فإن (لا) أعلام للمخاطب و (لا) رد على قول، أو ظن أو ما كان منزلا هذه المنزلة كما ذكرنا. ويختلفان أيضا من ناحية الاستعمال، فإنه يستطاع نفي الجنس بـ (ما) متصلة بمنفيها أو منفصلة عنه، ولا ينفي الجنس بـ (لا) نصا إلا متصلة به قال تعالى: ﴿فما لنا من شافعين﴾ [الشعراء: ١٠٠]، وقال: ﴿ما لكم من إله غيره﴾ [الأعراف: ٥٩]. ولا يقال (لا في الدار رجل) بالفتح فـ (ما) أوسع استعمالا في هذه الناحية وذلك لأن (لا) تركبت مع منفيها فأصبحتا كالكلمة الواحدة، ولذلك لا يصح الفصل بينهما، فإن فصلت بينهما وجب أهمالها وتكرارها، وتخلف التنصيص على الجنس، وذلك كقوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ [الصافات: ٤٧]. وقد تقول: أليس قوله تعالى (لا فيها غول) نصًا في نفي الجنس؟ والجواب أن نفي الجنس ههنا متعين، لأن المقام يدل عليه، ولكن يصح أن يراد في تعبير آخر مثله نفي الواحد، ونفي الجنس، كأن تقول (لا فيها رجل ولا امرأة) بخلاف ما لو جاء بعدها مفتوحًا أو منصوبًا، فإنه لا يصح إرادة الواحد البتة، وفي غير القرآن يمكن أن يراد بالتعبير (لا فيها غول) نفي الجنس والوحدة، ولكن هنا دل المقام على أن ذلك لنفي الجنس. وانت إذا أردت نفي الغول الواحد تعين أن تقول ذلك بالرفع. إن المقصود بقولنا أن (لا) الناصبة تنفي الجنس، إنها لا تحتمل الوحدة البتة، وأما المشبهة بليس فإنها قد تنفي الجنس وقد يتعين في بعض التعبيرات ذلك، إذا كان المقام يقتضيه، ولكن يصح أن يراد في التعبير نفسه نفي الوحدة في مقام آخر.
Terjemahan belum tersedia untuk bagian ini.