Kitab Kuning

وقوع المصدر حالا:

Verified Original
وقد يقع المصدر حالا وقد استعملت العرب ذلك كثيرا، ومه قوله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار﴾ [الأنفال: ١٥]، أي زاحفين وقوله: ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية﴾ [البقرة: ٢٧٤]، أي مسرين ومعلنين، قوله: ﴿وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها﴾ [آل عمران: ٨٣]، أي طائعا وكارها وقوله: ﴿وتمت كلمت ربك صدقا وعدلا﴾ [الأنعام: ١١٥]، أي صادقة وعادلة، وقوله: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾ [الأحقاف: ١٥]، أي كارهة، ونحو قولك (أقبل علي ركضا) و (قتله صبرا) و (طلع بغتة) و (كلمته مشافهة) ونحو ذلك (١)، وهو ليس بمقيس عند النحاة على كثرته (٢)، وعند المبرد هو مقيس فيما كانت الحال فيه نوعا من عاملها، فإن قلت (أقبل ركضا) جاز لأن الركض نوع من الاقبال، ولو قلت (جاء بكاء وضحكا) لم يجز لأن البكاء والضحك ليسا نوعا من المجيء، قال المبرد في (المقتصب): " ولو قلت: (جئته إعطاء) لم يجز، لأن الاعطاء ليس من المجيء، ولكن (جئته سعيا) فهذا جيد لأن المجيء يكون سعيا، قال الله ﷿: ﴿ثم ادعوهن يأتينك سعيا﴾ (١) [البقرة: ٢٦٠]. ورأي المبرد أسوغ من رأي النحاة، وذلك لأنه كثير والكثرة تخول القايس عليها. وقد يعرض هذا السؤال وهو: لم يعدل العرب عن الوصف إلى المصدر أحيايا؟ وهل لذلك غرض؟ الحق أنه لا يعدل من تعبير إلى تعبير إلا يصحبه عدول من معنى إلى معنى، فقولك (أقبل ركضا) وإن كان في التأويل (أقبل راكضا) لا يطابقه في المعنى. وإنما يعدا من الوصف إلى المصدر لغرضين: الأول: المبالغة، فإن المصدر هو الحدث المجرد، والوصف هو الحدث مع الذات، فـ (ساعيا) في قولك (اقبل أخوك ساعيا) يدل على الحدث وذات الفاعل، أما المصدر فهو الحدث المجرد من الذات والزمن، ولذا يمتنع الأخبار بالمصدر عن (الذات، لا تقول (محمد سعيٌ) ولا (هو ركضٌ) بل تقول (محمد ساعٍ)، و (هو راكض). فإن قلت (أقبل أخوك سعيا) كان المعنى أن أخاك تحول إلى سعي، ولم يبق فيه شيء من عنصر الذات، لم يبق فيه ما يثقله من عنصر المادة بل تحول إلى حدث مجرد وهذا مبالغة، وكذلك قولك (أقبل ركضا) معناه أنه تحول إلى الركض عند إقباله، ومثله قوله تعالى: ﴿ثم ادعوهن يأتينك سعيا﴾ فقد قال (سعيا) ولم يقل (ساعيات) والسياق يوضح ذلك قال تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا، واعلم أن الله عزيز حكيم﴾ [البقرة: ٢٦٠]. إن الأثر يقول أن الله تعالى أمر سيدنا إبراهيم (ع) أن يأخذ أربعة من الطير، فيذبحهن ويقطع أوصالهن، ويدقهن جميعا، حتى يكن عجينة واحدة، مختلطة متماثلة ثم أمره أن يجزيء هذا الكتلة المتماثلة إلى أربعة أجزاء، ثم يجعل على كل جبل جزءا. في منطقنا ومنطق العقل أنه إذا قطع الرأس فحسب، وبقيت الأعضاء سليمة على وضعها كانت إعادة الحياة إليه مستحيلة فكيف إذا تمزقت الأعضاء، وتهشمت العظام، ودق اللحم والعظم والريش، واختلطت أجزاء الطيور بعضها ببعض حتى أصبحت عجينة واحدة متماثلة؟ إن أعادة الحياة إلى هذه أعسر وأعسر، فهذه الحالة في أقصى حالات الهمود والسكون وآناها عن الحياة والحركة، ثم قال له: ادعهن، فإنهن يأتينك سعيا، أي يتحولن إلى سعي، يتحولن من أقصي الهمود إلى أقصى الحركة، ولم يقل (ساعيات)، أي لم يكن فيهن ما يثقلهن من عنصر المادة، ففي التعبير بالمصدر مبالغة لا تكون في الوصف. ولذا يمنع النحاة قياس وقوع المصدر حالا، قالوا لأنه يلزم الاخبار بالمعنى عن الذات. قال ابن الناظم: "ومقتضى هذا أن لا يكون المصدر حالا، لئلا يلزم الاخبار بمعنى عن عين" (١). والحق أنه إذا أراد المبالغة فلا مانع من ذلك، بل ينبغي أن يقوله في موطنه فهذا تعبير، والوصف تعبير آخر. وقوع المصدر حالا تعبير مجازي، أما الوصف فهو تعبير حقيقي، وكلاهما مراد وله موطنه. الثاني: التوسع في المعنى وذلك أنك إذا عبرت بالوصف فقد أردت معى واحدا فإذا قلت (جاء خالد ماشيا) كان (ماشيا) حالا، ليس غير، ولكن إذا عبرت بالمصدر اتسع المعنى، وكسبت أكثر من قصد وغرض، فقد تكسب معنى المصدرية والحالية، كقولك (اقبل راكضا) فهذا يحتمل المفعولية المطلقة، أي يركض ركضا أو اقبال ركض، أيا كان التقدير ويحتمل الحالية فقد كسبت معنيين: وأنت تريدهما معا، قال ابن القيم. " وبالجملة فالمصدرية في هذا الباب لا تنافي الحال، بل الاتيان بالحال ههنا بلفظ المصدر يفيد ما يفيده المصدر، مع زيادة فائدة الحال، فهو أتم معنى ولا تنافي بينهما" (١). وقد يحتمل الحالية، والمفعولية لأجله، والمفعولية المطلقة (٢) فتكسب ثلاثة أغراض في تعبير واحد منه قوله تعالى: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾ [الأعراف: ٥٦]. فلو قال (ادعوه خائفين وطامعين) لكان المعنى واحدا هو الحالية، ولكن بعدو له إلى المصدر اتسع المعنى، وأصبح يؤدي ثلاثة معان في آن واحد، وهي الحالية أي خائفن. والمفعول لأجله، أي للخوف والطمع، والمفعولية المطلقة أي تخافون خوفا، وتطمعون طمعا، أو دعاء خوف، وطمع، وهذه المعاني كلها مرادة، فإننا يبغي أن ندعو ربنا ونحن في حالة خوف، وطمع وندعوه للخوف والطمع، وندعوه ونحن نخاف خوفا، ونطمع طمعا، فجمعها ربنا في تعبير واحد، بعدوله من الوصف إلى المصدر فهو بدل أن يقول: ادعوه خائفين، وطامعين وادعوه للخوف، والطمع وادعوه دعاء خوف، وطمع، أو تخافون خوفا، وتطمعون طمعا، جمعها كلها بهذا التعبير القصير، فقال: ﴿وادعوه خوفا وطمعا﴾.
Terjemahan belum tersedia untuk bagian ini.

Footnotes:

  • [١] انظر سيبويه ١/ ١٨٦، ابن يعيش ٢/ ٥٩، المقتضب ٣/ ٢٣٤، الهع ١/ ٢٣٨

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [٢] انظر سيويه ١/ ١٨٦، ابن يعيش ٢/ ٥٩، الرضي على الكافية ١/ ٢٢٨

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [١] المقتضب ٣/ ٢٣٤

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [١] ابن الناظم ١٣٢

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [١] التفسير القيم ٢٨٥

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63
  • [٢] انظر الغني ٢/ ٥٦١ - ٥٦٢، وانظر التفسير القيم ٢٥٦ - ٢٥٨

    Deprecated: htmlspecialchars(): Passing null to parameter #1 ($string) of type string is deprecated in /home/u141505523/domains/mbg.web.id/public_html/Views/reader.php on line 63